منتدى النور للعلوم النفسية والتربوية
 
الرئيسيةالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حوار النفس - قصة من تأليفى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Doaa Elgana
نائب المدير
نائب المدير
avatar

عدد المساهمات : 214
نقاط : 380
تاريخ التسجيل : 13/04/2010

مُساهمةموضوع: حوار النفس - قصة من تأليفى   السبت أبريل 17, 2010 11:43 pm

قصة من تأليفى أرجو أن تنال إعجابكم - رجاء التثبيت يا سيادة المدير
حوار النفس

ظلام دامس يلف الحجرة يخفى كل شىء ،
اتسعت عينى محدقة فى هذا الظلام أبحث عن مفتاح النور بلا جدوى ...
تعثرت قدمى ،اختل توازنى ،كدت أسقط ولكنى تمالكت نفسى ...
أمسكت يدى كرسى كان فى طريقى ،جلست عليه ،أسبلت جفنى ،
استسلمت لأفكارى ،حوار صامت صارخ يجوب أرجاء نفسى ،يمزق هدوئى ،يعكر صفوى ...
أريد و أريد و أريد ولا أستطيع الخلاص من قيد الحاجة المذل المرير ...
أختنق بلا حدود ،أعطيت نفسى أجازة من كل شىء ،
ولكن عقلى لم يستطع أن يأخذ إجازة من التفكير يعاندنى و أكره العناد رغم أنى عنيد ...
استسلمت للنوم نوم غير مريح على كرسى خشبى قديم ...
استيقظت فى الصباح الباكر أصوات خافتة بدأت تتسرب الى أذنى ...
فتحت نافذة الحجرة التى أقطنها ،أعددت حقيبتى واتجهت الى محطة القطار لأستقل قطار الصعيد
لأذهب الى بلدتى الصغيرة على أطراف محافظة سوهاج ...
أترك صخب القاهرة لأنعم بأسبوع كامل فى هدوء الريف الجميل ...
جنات خضروات ، ومياه صافية ، وهواء نقى ...كل ذلك الجمال أحرم منه ثلاثة أشهر كاملة ،
أتمتع به أسبوع واحد لأحرم منه ثانية ،و هكذا دواليك ،حلقة مفرغة ما أكاد أصل لنهايتها لأجدنى بدأت رحلتى من جديد ولا جديد .
استطعت بصعوبة أن أجد مكانا بين الركاب أجلس فيه حشرت جسدى بأعجوبة وسط أطنان اللحم المتراصة فى هذه العربة ، وجوه يعلوها البؤس ويكسوها الحزن أو الألم ،أو قد تكون هى تجاعيد السنين أضفت مسحتها على هذه الوجوه ،فى الركن المقابل لى جلست سيدة أظنها فى بداية عقدها الثالث معها ستة أطفال أعمارهم متقاربة يرتدون ملابس شبه رثة ،ما بين آونة تمر وأختها أسمع هذه السيدة تنهر ولدا أو بنتا من أبنائها ،طالبة منهم أن يلتزموا الهدوء ولا يتحركون من أماكنهم خشية أن يبتلعهم الزحام ، تنظر إليهم نظرات زائغة ،تحدق أحيانا فى اللاشىء من نافذة القطار المحطمة ...توقف القطار فى محطة تالية نزل من نزل من الركاب وركب أخرون يعوضون النقص بزيادة ...ركب فى العربة التى أركب فيها شيخ مسن يستند الى عصا غليظة ،قمت من مقعدى وأفسحت له ليجلس ،فأنا شاب أتحمل بينما هو شيخ واهن ، دعا لى بالسلامة والصحة وطول العمر ، وابتسامة صادقة غطت تجاعيد وجهه الكثيرة ،
ابتسمت له وربت على كتفه بحنان ، تذكرت حينها أبى رحمه الله ،فقد فارقنا منذ سنة تقريبا ...
هناك شىء مشترك بين أبى وذلك الشيخ ...شىء لا أدركه ...ترى ما هو ؟! هل تلك الخطوط الكثيرة التى ملأت جبهة الشيخ ؟!
كان أبى يمتلك مثلها ، أم ذلك الجلباب الصعيدى و الطاقية التى تغطى رأسه ؟! أم أنها ابتسامة الشيخ التى كثيرا ما قابلنى أبى بابتسامة مثلها ؟!
جعلت أحدق فى الشيخ و أنا لا أدرى ما الذى جذبنى اليه هكذا ... هل هى صورة أبى متجسدة فى هذا الرجل ؟! لست أدرى ربت الشيخ على كتف أحد أبناء السيدة قائلا لها : ربنا يخليهم لكى . فأجابته السيدة :ربنا يحفظك ياعم الحج ...كلمة من الشيخ و كلمة من السيدة فتحت حوارا بينهما و أنا شاهد عليهما مستمع إليهما ،ليس على سبيل التصنت ولكن خيل إلى أننى ألعب دورا فى مسرحية حياتية ، وضعى هو الذى جعل كلامهما يتسلل الى أذنى ...كان حوارا طويلا أليما وكأن كلاهما وجد فى الأخر قلبا نقيا يستمع إليه ، السيدة- كما عرفت من حوارهما – أرملة شابة مات عنها زوجها تاركا لها كل هؤلاء الأطفال ،
هذه السيدة تزوجت وهى صغيرة فى السن كتقاليدهم الصماء التى يتوارثونها جيلا بعد جيل ،
وانتقلت هى وزوجها للعيش فى القاهرة فى شقة صغيرة لا تكاد تكفيهما وأولادهما ،
كان زوجها عاملا بسيطا فى مصنع ،ولكنه كان رجلا صعيديا أصيلا ،شهما نبيلا ،تحملا معا شظف العيش ،
ولكنه مات فى حادث أليم ...دمعت عين السيدة ثم انهالت دموعها ،مسكينة كان هناك من يساندها فأصبحت وحيدة ،
كان الله فى عونها ،جعل الشيخ يهدؤها وينصحها بالصبر والاستعانة بالله ،
ولم أدر ماذا قال لها بعد ذلك أو ماذا قالت له ،فقد استعدت كلماتها الأليمة عن مصرع زوجها وجعلت أرسم مشهدا لما حدث ،
فكرت فى الموت ،ذلك الزائر الذى يلف الكون بأكمله لا يترك بيتا إلا ويدخله حتى ينتهى من كل ساكنيه عبر أعوام طوال ،
وقد يطرق الباب ويأخذ من فى البيت جميعا كما حدث لأسرة منصور الصعيدى –
جارنا فى القرية- حيث اشتعل حريق كبير فى بيتهم ليلا وهم نيام ،فقضى عليه وعلى زوجته وولديه وابنته الصغيرة ،
كانت ليلة ليلاء ،سرت فى جسدى قشعريرة باردة كالثلج وأنا أتذكر تلك الواقعة ...أغمضت عينى أحاول طرد تلك الصورة البشعة التى ارتسمت أمامى ...أحاول طرد تلك الذكرى الأليمة التى كثيرا ما تتراءى أمامى ،فقد كان منصور صديقى المخلص تنهدت بألم ولم يخرجنى من شرودى سوى صفارة القطار التى انطلقت لتعلن عن وقوف القطار فى محافظة المنيا ،وكما حدث سابقا نزل بعض الناس من عربات القطار وامتلأت العربات عن أخرها مرة أخرى ...بشر كثيرون يندسون فى عربات القطار تلتصق الأجساد بل قل تلتحم ، فلا يستطيع أحد أن يتحرك وسط كل هذه الأجساد ...لفت انتباهى أن السيدة قد نزلت هى وأولادها دون أن أنتبه ولكنى وجدت بدلا منها فتاة شابة تجلس مكانها ، متى نزلت وكيف نزلت ؟! لا أدرى !
جعلت أنظر من نافذة القطار ...شريط أخضر طويل يتخلله أحيانا بعض المساكن البسيطة و الورش ، الفلاح المصرى لم يتغير كثيرا ،فرغم ظهور المعدات الزراعية الحديثة والتطور التكنولوجى إلا أن الغالب على الفلاح المصرى أنه لم يتخل عن عاداته وتقاليده كثيرا ...فمازال يستيقظ مبكرا ،ويحمل فأسه على كتفه ،ويذهب إلى حقله ،يكد ويتعب ،ويفرح عند جنى الثمار، يروى أرضه بعرقه حتى يتذوق حلاوة كده عند حصاد الزرع ،دارت هذه الأفكار فى رأسى وأنا أشاهد فلاحا يربط بقرته فى الساقية كى يروى أرضه ،
رغم وجود ماكينات لرى الأراضى ووسائل أخرى أكثر راحة من الساقية ،
و أثناء استرسالى فى تأملاتى هذه انتبهت لمشهد آلمنى كثيرا ،صبى فى السابعة أو العاشرة من عمره ،يلبس أسمالا بالية متسخة،
يعمل فى ورشة سيارات ، يضربه الأسطى بعنف على خطأ ارتكبه ،لست أدرى ما هو بالضبط ألمنى المشهد كثيرا ...
ما هذه القسوة ! صبى فى عمر الزهور من حقه أن يعيش براءة الطفولة ،
يلعب ويمرح ولكن براءة الأطفال اغتصبتها قسوة الحياة وذل الحاجة فلعل ذلك الطفل الصغير يعول أسرة كبيرة العدد،
أو على الأقل يكون أحد مصادر الدخل بها ،بعد ذلك الغلاء الذى سيطر على كل شىء ... حتى الفول طعام الفقراء طالته يد الغلاء ، صورة ذلك الطفل لا تريد أن تفارق مخيلتى آآه لو كنت أستطيع القفز من القطار وتخليص هذا الطفل من يد ذلك الرجل ، أوليس له أطفال ؟! أيعاملهم بهذه القسوة ؟ يا الله حتى الرحمة انتزعت من القلوب ! و نتعلل دائما بمقولة أصبحت كلبانة تلوكها ألسننا كثيرا وهى الحياة صعبة ، هززت رأسى بحسرة ،فنحن نعلل كل أفعالا بهذه المقولة .
مرة أخرى توقف القطار واستطعت أن أجد مكانا هذه المرة أجلس فيه ، صور كثيرة ومشاهد حياتية تتكرر كل يوم ،جعلت تروح وتغدو على عقلى يحللها ويفسرها ...يفكر فيها حينا ، ويحاول طردها حينا أخر ...أفكر فى كل شىء الآن تقريبا ما معنى الحياة إذا توقف العقل عن التفكير ؟ صور بعينها جعلت تطرق رأسى ولا تريد أن تنصرف ...صورة منصور صديقى الآن تتراءى أمامى ،ضحكته ترن فى أذنى ...، مداعباته ،كثيرا ما كان يقول لى تزوج يا فؤاد ، لن تستطيع العيش وحيدا ، الزوجة هى الدفء ،هى الصدر الحنون الذى تلقى عليه حملك فتخفف ألمك وتزيل همك ،كثيرا ما كنت أهزأ من كلامه ، أضحك عليه فهو فلاح بسيط تمسك بتقاليد قريتنا الصغيرة الشامخة ، أما أنا فأحلامى أكبر من ذلك بكثير ،
أنا مهندس ،صحيح أعمل فى وظيفة حكومية روتينية مغمورة ،
ولكن هذا الحال لن يدوم طويلا ،سوف أعمل ليلا ونهارا ،سوف أحصل على وظيفة أفضل ،
سوف أفتح مكتبا للرسم الهندسى أبنى نفسى ...تنهدت بمرارة مرة أخرى فالأعوام تجرى ،
والشباب يتسرب منى، فها أنا تجاوزت الثلاثين بعامين ،وبدأت بعض الشعيرات البيضاء تتخلل شعرى الأسود ،
كثيرا ما قالت لى أمى تزوج ياولدى قبل فوات الأوان ،تزوج يا ولدى حتى أحمل أبناءك بين يدى ، فأنت الولد الوحيد بين نصف دستة من البنات ... زفرت بمرارة فأنا الآن أحتاج إلى زوجة تساندنى فعلا ...أحتاج الى امرأة تنتظرنى عند عودتى من العمل تعد لى طعامى وتشاركنى حملى ...
سوف أطرح الأمر على أمى عند وصولى البيت بإذن الله تعالى .
أخيرا توقف القطار فى المحطة التى سوف أنزل بها حملت حقيبتى الوحيدة ،وقررت أن أقطع المسافة من المحطة إلى المنزل سيرا على الأقدام ، لن أستقل سيارة ...شعرت أننى بحاجة إلى استنشاق المزيد من هواء الريف النقى ...ابتسمت رغم المرارة التى اجتاحت أعماقى طوال الطريق ،وشعرت بكميات أكثر من الهواء تدخل صدرى فتزيدنى انتعاشا ...و لأول مرة لم أشعر بإرهاق السفر رغم الحياة الجديدة التى بدأت أرسمها لنفسى ،والتى تحتاج مزيدا من العمل .
وصلت الى البيت لأجد أمى تنتظرنى بلهفتها المعتادة وابتسامتها الجميلة وصدرها الحنون الذى يضمنى فى حنان بالغ ،
ودعواتها لى بطول العمر وسعة الرزق والزوجة الصالحة ...
ولأول مرة تفاتحنى أمى فى موضوع الزواج فلا أثور كما كنت أفعل سابقا ،
ولكنى تقبلت كلامها هادئا باسما حتى إذا ما انتهت سألتها عن العروس الجديد التى تعدها لى فى هذه الزيارة ،
كانت فتاة بسيطة أكملت تعليمها حتى التحقت بالجامعة وأبويها من بسطاء القرية
رحب بها قلبى وتمت الخطبة سريعا على أن يتم الزواج فى زيارتى القادمة بعد ثلاثة شهور .
وهكذا يستمر قطار الحياة ،لا يتوقف إلا ليمضى فى طريقه إلى أجل لا يعلمه سوى علام الغيوب ،
وطوى فؤاد أفكاره واستسلم لنوم هادئ لأول مرة فى حياته منذ أن استسلم عمله فى القاهرة منذ سبع سنوات كاملة ،
استطاع فيها أن يوفر مبلغا من المال يعينه على نفقات الزواج ،سوف يتزوج فؤاد ويسمع نصيحة أمه وصديقه الوحيد
ومازالت الأفكار تعربد فى رأسه ، فرغم استقراره الآن نسبيا إلا أن حواره الصامت مازال يصرخ بين أعماقه ،
فكثيرا ما كان يحرم نفسه من كل ما يريد حتى يوفر المال له ولأسرته
فما باله وهو يسعى لتكوين بيت أخر ، كان الله فى عون الجميع ،
هى الحياة نعيشها كما يريد خالقها ،
فسبحان الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
احمدشبل
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 92
نقاط : 126
تاريخ التسجيل : 22/04/2010

مُساهمةموضوع: رد: حوار النفس - قصة من تأليفى   الأحد مايو 09, 2010 1:02 am

قصه غاية في الجمال والروعه

وبها من الالوان والصور ما يأخذ العين

ومن الصور التي اعجبتني فيها [quote]ولكن عقلى لم يستطع أن يأخذ إجازة من التفكير يعاندنى و أكره العناد رغم أنى عنيد ...
استسلمت للنوم نوم غير مريح على كرسى خشبى قديم ...
تقبلي مروري وخالص تقديري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Doaa Elgana
نائب المدير
نائب المدير
avatar

عدد المساهمات : 214
نقاط : 380
تاريخ التسجيل : 13/04/2010

مُساهمةموضوع: رد: حوار النفس - قصة من تأليفى   الأحد مايو 09, 2010 9:42 am


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]


شكرا يا أستاذ أحمد على مرورك وتعليقك

أتمنى أن تنال كتاباتى استحسان سيادتكم دائما


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
maroo
مشرف
مشرف
avatar

عدد المساهمات : 176
نقاط : 300
تاريخ التسجيل : 22/04/2010
العمر : 29

مُساهمةموضوع: حوار النفس - قصة من تأليفي    الثلاثاء يوليو 06, 2010 11:54 pm

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

الله الله الله
قصة رائعة من كاتبة أروع
اتمني ان اقرأ لك قربيا قصة مطبوعة ومنشورة فى أكبر دار نشر
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حوار النفس - قصة من تأليفى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات النور :: المنتدى الأدبى :: المنتدى الأدبى-
انتقل الى: